
| وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرف جَرْ | نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرْ |
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) [النمل: ٤٣، ٤٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣٨].في هذا دليل على جواز الخطاب إلى المبهم، إذا كان يتعين بعد ذلك بقوله: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَانعم ما قال: ائتني يا فلان. وهذا النوع من الخطاب يترتب عليه فوائد كثيرة حكمية وخبرية: فمنها مثلًا: أنه يجوز أن يقول: زوجتك إحدى ابنتي هاتين، ثم يختار إحداهما، مثلما فعل صاحب مدين مع موسى.ومنها: أنه يجوز أن يقول: بعتك إحدى هاتين السلعتين بكذا، فيختار إحداهما.ومنها: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسيئة، فيختار أحد الثمنين.وليست هذه المسألة الأخيرة من باب بيعتين في بيعة، خلافًا لمن زعم ذلك، فإن هذه بيعة واحدة؛ لأنهما لم يتفرقا إلا على إحدى البيعتين.وأيضًا بيعتان في بيعة سبق لنا أنه جاء فيها نص صحيح صريح في سنن أبي داود، ويش يقتضي؟ أن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» .وهذا صريح في أن ذلك مسألة العينة.الشيخ: مسألة العينة أن يبيع الشيء عليه بثمن مؤجل ثم أشتريه منه بأقل منه نقدًا، هذه مسألة العينة.طالب: نفس البائع يشتريه؟الشيخ: إي نفس البائع يشتريه بأقل.فصار الآن أنه يجوز الخطاب حكمًا وخبرًا المبهم، لكن بشرط أن يتعين قبل تمام الحكم.طيب هنا: يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِيوفي هذا دليلٌ على أنه يجوز للإنسان أمام عدوه أن يظهر العظمة؛ لأن سليمان أراد بإحضار هذا العرش، ويش أراد به؟طلبة: إظهار عظمته. الشيخ: إظهار عظمته وقدرته، وأنه استطاع أن يأتي بعرشها المحصّن بلا شك؛ لأنه كما جرت العادة قصور الملوك لا بد أن تكون محصّنة وعليها حرس، لا سيما مثل العرش.وأما زعم المؤلِّف أنه إنما أتى به ليتملكه فهذا لا دليل في الآية عليه، لا دليل في الآية على ذلك.طالب: ما يرد عن هذا اشتراط تعيين بالنسبة للإنسان؟الشيخ: أصلًا ما ينفع العقد إلا بالتعيين، فهو يصح إنه كيف قال: قبلت نكاح فلانة، حصل التعيين، ما يصح يقول: قبلت إحداهما.كما أن البيع أيضًا بعتك بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة بيقول: قبلت بعشرين نسيئة، قبلت بعشرة نقدًا. لا بد من هذا؛ لأن اللي جاء القبول يعيّن، المهم الكلام على الإيجاب.وفيها دليل: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَوفيها دليل على أن سليمان عليه الصلاة والسلام إما أنه تفرّس أو أوحي إليه بأن هؤلاء القوم سوف يأتونه، يعني لما رد الرسول بالهدية وقال: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ [النمل: ٣٧] ما جاءه الجواب، فطلب أن يُحضر عرشها، مما يدل على أنه علم بأنها ستأتي وقومها، ولكن من أين علم ذلك؟إما من وحي، وإما من فراسة؛ لأن مثل هذه العبارات التي تُرسل لَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَبهذه القوة يقتضي أن العدو يخنع ويخضع.إن كان بفراسة فهو دليلٌ على جواز الحكم بالفراسة، وقد ذكرنا عدة مرات أنه يجوز الحكم على الشيء بمقتضى غلبة الظن، بل يجوز أن يحلف عليه بمقتضى غلبة الظن. والفراسة تؤدي إلى غلبة الظن، ولكن ليس مجرد الوهم يجوز أن تحكم بالظن، بل لا بد للفراسة من قرائن تدل عليه، إما قرائن سابقة، وإما قرائن مقارنة.وأما أن تحكم بشيء ما فيه قرينة فهذا حكم بالظن.قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ.أولًا: في هذه الآية دليل على تسخير الجن لسليمان؛ لقوله: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِهو أول من تكلم.ثانيًا: دليلٌ على قوة الجن؛ لأنه سوف يأتي بهذا العرش العظيم، يحمله من سبأ؛ من اليمن إلى الشام.ثالثًا: دليل على سرعتهم، وهو من أوصاف القوة؛ لقوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَوهذه سرعة فائقة، سرعة عظيمة، ومعلومٌ أنهم عندهم سرعة عظيمة، بدليل أنهم يسترقون السمع من السماء، ولا يصل إلى السماء إلا من عنده سرعة هائلة عظيمة.وفيه دليل على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما اتصف به من صفات الكمال ترغيبًا أو ترهيبًا، من أين يؤخذ؟ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌهذا ترغيبًا، فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَاترهيبًا، فيجوز هذا وهذا، لكن شرط أن يكون متصفًا به حقيقة، أما دعوى فلا، فهذا مثلما جاء في الحديث: «مَنْ تَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطَ فَهُوَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ» ، فالإنسان اللي يمدح نفسه بما ليس فيها هذا لا شك أنه مزوِّر بالخبر، ومزوّر بالصفة؛ هوأخبر عن نفسه بما ليس فيها، فالخبر كذب، وثبوت الوصف هذا للنفس مثلًا كذب، فلذلك قال: «كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ».طالب: (...)؟الشيخ: نعم مثله، مثلًا العلماء أيضًا يتكلمون بمثل هذا، قول ابن مسعود: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا تَنَالُهُ الْإِبِلُ أَعْلَمُ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ» أو كما قال.وفيه دليل على أن مدار العمل على هذين الوصفين وهما: القوة والأمانة؛ لقوله: لَقَوِيٌّ أَمِينٌلأن من ليس بقوي لا يتقن العمل، لماذا؟ لضعفه، ومن ليس بأمين لا يتقن العمل أيضًا، ليش؟ لخيانته.فقد يكون الإنسان قويًّا، ويستطيع أن يعمل هذا العمل بكل سهولة، لكنه ليس بأمين، فلا يثق الإنسان به، ثم إن العمل لو أنه أتقنه يبقى الإنسان شابًّا، يقول: يمكن يقدر على أحسن من هذا، لكن ما فعل لأنه خائن.وكذلك أيضًا لو كان الإنسان أمينًا لكنه عاجز، فإنه لن يتقن العمل لعجزه، أيهما أشد لومًا؟ طالب: الخائن أشد؛ لأن..الشيخ: الخائن أشد، وهذا أيضًا عنده نوع خيانة؛ لأن كونه يدخل في العمل وهو ليس بقادر عليه أو ليس بقوي عليه، هذه لا شك أنه أيضًا خطأ وخيانة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «إِنَّكَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَتَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ» .فالإنسان الضعيف ما يجوز أنه يتدخل في شيء يعرف أنه ما يستطيع إتقانه، لا سيما إذا كان يوجد في الناس من يحسنه، فهذه تعتبر خيانة لنفسه ولغيره، خيانة لنفسه لأنه في الحقيقة جشمها مرقى صعبًا، يريد يظهر ضعفه أمام الناس، وخيانة لغيره حيث تقبّل أعمالهم وهو لا يحسنها إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص: ٢٦].إذا قال قائل: إذا اجتمع عندنا أربعة أشخاص: أحدهم قوي أمين، والثاني قوي غير أمين، والثالث أمين غير قوي، والرابع ضعيف خائن.القوي الأمين مقدّم ما فيه إشكال، والخائن الضعيف مؤخر بلا شك. هذان طرفان معلومان. بقينا: قويٌ خائن، وضعيف أمين.طالب: الضعيف الأمين أولى أن يقدّم.طالب آخر: الضعيف الأمين يقدّم؛ على حسب المهنة، إذا كانت من شأنها تتطلب القوة أشد شيء فإنه يقدّم، وإذا كانت الأمور التي تحتاج إلى اتخاذ وحفظ فيقدم على الخائن هذا.الشيخ: هذا هو الصحيح: يعني يجب أن نشوف أيهما أولى مراعاة: إذا كان في عملٍ القوة فيه أظهر، فهنا يقدم القوي؛ لأن القوي وإن كان عنده خيانة، ربما تحمله قوته على إتقان العمل لأجل أن يشتهر بهذه القوة، مثلًا ما وجد إلا هو. أما إذا كانت المسألة ما تحتاج إلى عمل وقوة، لكنها تتطلب الأمانة، فهنا يقدَّم الأمين.طيب. هذا واضح إذا كان في عملين أحدهما يظهر فيه قصد الأمانة، والثاني يظهر فيه قصد القوة، كالأمير مثلًا. الأمير ويش يظهر فيه؟ طلبة: قصد القوة.الشيخ: قصد القوة، يعني: قوة الأمير وإن كان غير أمين أنفع للمجتمع من أمير ضعيف أمين، والقاضي بالعكس، القاضي الأمانة في حقه أظهر؛ لأنه إذا كان أمينًا وإن كان ضعيفًا، اللي بينفذ ما هو هو، المفروض أن عندنا في عصرنا الآن التنفيذ لمن؟ لجهة الإمارة. القاضي يحكم، فإذا كان أمينًا فهنا قصد الأمانة في القضاء أظهر من قصد القوة. وعلى هذا فقس.ولكن إذا كان العمل يتعارض فيه القوة والأمانة، فهذا محل نظر، ولا يمكن أن نحكم بحكم عام، بل إننا ننظر في القضية المعينة ونشوف، يعني: إذا تشاح اثنان في عمل يتطلب القوة والأمانة معًا، ولا يظهر فيه فضل أحدهما على الآخر، حينئذ ما أستطيع أن أحكم هنا حكمًا عامًّا، بل إنما يُنظر في كل مسألة بخصوصها، ويُنظر للقرائن ويُنظر أيضًا للأشخاص ومن تظهر فيه القوة أكثر من ظهور الأمانة في الثاني، أو الأمانة في هذا أكثر من ظهور القوة في الثاني.على كل حال هذه المسألة ما نحكم فيها بحكم عام، بل نحكم فيها بأيش؟ بالقضية المعينة، ونقول: يقدَّم هذا على هذا، عندما تحصل القضية المعيّنة.فالحاصل إذن أقسام الناس باعتبار القيام بالعمل أربعة: قوي أمين، وقوي خائن، وضعيف أمين، وضعيف خائن. هذه أربعة أقسام.ومعلوم أن الأول يقدّم على كل حال، والثاني يؤخر على كل حال، والثالث والرابع بينهما تزاحم، فيُنظر إلى ما كان يستدعي القوة أكثر يقدَّم فيه القوي، وما كان يستدعي الأمانة أكثر يقدّم فيه الأمين، وما احتمل الأمرين يُنظر فيه إلى القضية المعينة حتى نستطيع أن نقدم هذا على هذا إلى آخره.وفيه دليل قلنا: إنه يجوز أن يصف الإنسان نفسه بما يتصف به، لكن بشرط أن يكون ذلك حقيقة. وقوله..طالب: (...).الشيخ: إحنا نقول: مباح، وتعرف أن المباح تعتريه الأحكام الخمسة، قد يكون واجبًا أحيانًا، وقد يكون محرمًا، إنما هو على سبيل الإباحة، ولا يمكن نقول: المطلوب بكل حال؛ لأنه قد يكون الغرض سيئًا، ولا إنه منهي بكل حال؛ لأنه قد يكون لغرض حسن. فهو على سبيل الجواز.. طالب: ما يقدر أيضًا يجد ما يصلح نفسه إلا إذا اقتضت الحال.الشيخ: إحنا نقول والله: مباح، هذا الأصل. لكن إذا اقتضى الحال البيان يكون مطلوبًا، إما وجوبًا أو استحبابًا.الطالب: ما يكون من باب التزكية للإنسان نفسه؟الشيخ: لا فرق، يعني الناس يختلفون، أنا ما قصدي منها التزكية، إذا كان قصدي التزكية من باب المنهي عنه، قد يكون: للتحدث بنعمة الله فيكون مطلوبًا، وقد يكون لأجل أن يمنع من ليس بأهلٍ من مباشرة هذا العمل، فيكون هنا قد يجب أن يبين نفسه.فيه: يمكن نأخذ من قوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَنأخذ منها فائدة: وهي أن سليمان عليه الصلاة والسلام قد رتّب شئون حياتهم، وأن له مجلسًا خاصًّا معروفًا معيَّنًا؛ لأن قوله: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَلا شك أنه مقدّر بمدة معلومة، وإلا لم يكن لذلك فائدة؛ لأن قيامه من مقامه إذا لم يكن معلومًا فهل يُدرى مثلًا ذلك قد يبقى يومًا كاملًا في مكانه، وقد لا يبقى إلا دقيقة واحدة، فلولا أنه عليه الصلاة والسلام قد رتّب أوقاته حتى أصبحت معلومة للناس، ما قال مثل هذا الكلام، وأما عن تقرير ما قاله المفسِّر: (من الغداة إلى نصف النهار) فهذا ما ندري الله أعلم.على كل حال يؤخذ منه: أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد رتّب أوقاته حتى صارت معلومة، وهذا لا سيما بالنسبة للإنسان المراد الذي يريده الناس أمرٌ من أهم الأمور أنه يرتّب أموره، حتى إن الإنسان الذي يريده في حاجة يعلم أنه في هذه الساعة يجده، وفي الساعة الأخرى لا يجده فيستريح.مثلًا: يرتب لنفسه جلسة مثلًا في بيته أو في مكان مناسب على سبيل العموم؛ إما بين العشاءين أو بعد العصر أو الضحى المهم شيء يعرفه الناس، يرتب لنفسه مثلًا عملًا معيّنًا يعرفه الناس، حتى من أراده في هذا العمل يأتي إليه. المهم أنه ينبغي للإنسان أن يستفاد من ذلك: أن سليمان قد رتّب عمله في وقته، والثاني: أنه ينبغي للإنسان، خصوصًا المراد من أميرٍ وقاضٍ وعالمٍ ووجيه وغيره، أنه يجعل له وقتًا معيَّنًا تكون أوقاته محددة، حتى إن الناس يشعرون بأن هذا الرجل رجل منظّم، ويشعرون بأن الإنسان الفوضوي إن شاء جلس وإن شاء قام أنه ليس بمنظّم، فلا يعتبرونه شيئًا.قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠].في هذا دليل على أن جنود الله سبحانه وتعالى وهم الملائكة أقوى من الجن أو لا؟ لأن ذاك قال: قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ، وهذا قال: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَأيهما أسرع؟ الأخير بلا شك ولا سواء.طالب: (...).الشيخ: لأن الذي عنده علم الكتاب عابد ولا صلة له إلا بالدعاء.طالب: ما يقال (...) أن يبين للناس العلم الذي عنده.الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأنه كونه يقول: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِمفصولة عن قوله: قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّوالأصل أن الكلام مع الإنس، فالظاهر أنه رجل ليس من الجن.طالب: يقال: إنه جبريل هو الذي قال هذا؟الشيخ: لا، ما هو صحيح؛ لأن كل إنسان أو كل قائل ليس من البشر لا بد أن ينوه عنه؛ لأن الأصل أن البشر هم الذين يتخاطبون وهم الذين يتفاهمون، فإذا كان من غيرهم نوه عنه.طالب: مثلما نوّه عن الجن.الشيخ: مثلما نوّه عن الجن طيب وفي هذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل؛ لأن كون هذا العرش العظيم يأتي من اليمن إلى الشام بلحظة، لا شك أنه من كمال قدرة الله التي لا يتصور الإنسان كيف تكون.الآن هل يمكن أن نتصور كيف جاء هذا من اليمن إلى الشام قبل أن يرتد إلى الإنسان طرفه؟لو يطير طيرانًا أشد من الدخان ما تصورنا أنه يأتي بهذه السرعة، ولا نتصور أن الأرض كشطت كشطًا حتى التقى هذا بهذا أيضًا.فقدرة الله سبحانه وتعالى ما يمكن للإنسان أن يتصورها، تأتي فوق التصور، وهكذا جميع صفات الله فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣ - ١٤] كن.فجميع الخلائق كلهم على ظهر الأرض، مين يتصور هذا؟ تستطيع تصور هذا؟ ما تستطيع تصوره. يعني: لو كان من الأرض فتشقق تتفتح (...).المهم أن هذه نموذج من صفات الله سبحانه وتعالى في عجز العقل مهما بلغ عن إدراك كنه قدرة الله، وكذلك بقية صفاته، فأنت الإنسان علمك محدود وطاقتك محدودة، ولا يمكن أن تتجاوز أكثر مما تشاهد أو ما أطلعك الله عليه.وفي هذا دليل على فضل الله سبحانه وتعالى على سليمان، حيث سخّر له أهل العلم والجن، الجن بالأول، وصاحب العلم بالثاني.وهل قوله: قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَمبالغة ولّا حقيقة؟ حقيقة، وإلا لقلنا: إنه يجوز المبالغة في الأمور، ولكن على كل حال المبالغة في الأمور قد وردت في غير هذا النص، أن الإنسان يبالغ وإن كان ليس مقصودًا على سبيل الحقيقة، وقد جاء ذلك في القرآن وفي السنة أيضًا؛ المبالغة في الأمور.وفي هذا (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّاأي: ساكنًا عِنْدَهُ قَالَ هَذَاأي: الإتيان لي به مِنْ فَضْلِ رَبِّي). فَلَمَّا رَآهُأي: سليمان، رأى العرش مُسْتَقِرًّا.والاستقرار هنا أمرٌ زائد على مجرد الكينونة، ولو كان المراد بالاستقرار هنا مجرد الكينونة لكان ذكره غير بليغ، ولهذا فسّر المؤلِّف الاستقرار هنا بالسكون، يعني كأن له أزمانًا وهو في هذا المكان، فإن الذي ساب مثلًا أي شيء تسيبه، وتحطه في مكان تيجي تراقبه مثلًا، تعدله وتزينه، لا سيما مثل العرش الذي له قوائم في العادة، وهذا ثابت كأن له سنين، وهذا من كمال القدرة أيضًا.قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ(مِن) هذه لبيان الجنس ولّا للتبعيض؟طلبة: للتبعيض..الشيخ: يجوز هذا وهذا؛ لأنه إذا قصدنا بالفضل الجنس فهي لبيان الجنس، وإذا قصدنا بالفضل هذا الشيء المعيّن فهي للتبعيض على كل حال، هي صالحة لهذا وهذا.وقوله: فَضْلِ رَبِّيالفضل هو العطاء الزائد، وفضل الله تبارك وتعالى على العبد لا يُعد ولا يحصى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، ومن فضله على عبده أن يُحسن إليه، ثم يعد إحسانه إحسانًا؛ من فضل الله على العبد أن يحسن إليه ثم يعد إحسان العبد إحسانًا، فاهمين ذا؟ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠].تقول: ما جزاء المحسنين الذين أحسنوا عملهم إلا أن يحسن إليهم، وإحسانهم عملهم إحسانٌ من الله، ولكن هذا من باب تمام الفضل من الله على عباده أن يعد إحسان عمله وهو منه إحسانًا منهم، كأنهم ما هم مستقلون به هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُاللهم لك الحمد.وقوله: رَبِّيالربوبية هنا خاصة، ولهذا أضافها إلى نفسه فقال: رَبِّي.وقد مر علينا أن الربوبية عامة وخاصة، وأن العبودية كذلك عامة وخاصة، وأن الخاصة فيها ما هو أخص.وقوله: (لِيَبْلُوَنِيليختبرني) واللام هنا للتعليل قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] فإن الربوبية لموسى وهارون غير ربوبية عباد الله الصالحين الآخرين.(لِيَبْلُوَنِيليختبرني) واللام للتعليل (أَأَشْكُرُبتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفًا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه) (...).(بتحقيق الهمزتين): أَأَشْكُرُ. (إبدال الثانية ألفًا): {آشكر} هذه إبدالها ألفًا، (تسهيلها): {أاشكر} خليها همزة مسهلة بين الألف وبين الهمزة. (إدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه): يعني معناه إذا قرأت بالتسهيل فلها صورتان: إدخال ألف: {آاشكر} اللي بعد الألف همزة مسهلة، أو (...) بدون ألف يعني أن التسهيل يجوز فيه المد قبل التسهيل وعدم المد.(أَمْ أَكْفُرُللنعمة) فبماذا يكون الشكر؟ يكون الشكر بالثناء على الله تبارك وتعالى على هذه النعمة في ذاتها، وكذلك الاعتراف بالقلب بأنها محض فضلٍ من الله، وأنه ليس لك بها منة على ربك.والثالث: القيام بما تقتضيه هذه النعمة من واجب، وهذا الشكر الخاص ما هو الشكر العام؛ لأن الشكر يكون عامًّا بحيث يوصف الإنسان بأنه من الشاكرين على الإطلاق، ويكون خاصًّا بحيث يوصف بأنه من الشاكرين على هذه النعمة فقط. مثال ذلك: رجل آتاه الله مالًا، فالشكر خاص على هذا المال أن يتحدث بهذا المال على أنه من فضل الله ونعمته، وأن يعترف بقلبه أنه فضل من الله، ما يقول: أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨].والثالث: أن يقوم بواجب هذا المال من دفع زكاته، وما يترتب عليه من نفقات بسبب هذا المال، لكن قد يكون الإنسان مثلًا من جهة أخرى يعصي الله، يفرّط في الصلاة، مفرّط في الصيام، هذا نقول له: هل نصفه بأنه شاكرٌ على الإطلاق؟ طالب: لا.الشيخ: لكنه قائمٌ بشكر النعمة المعيَّنة. أفهمتم؟إذن الشكر نوعان: شكر مطلَق وشكر خاص. فالشكر الخاص: أن يقوم بشكر النعمة المعيّنة بما تقتضيه، والشكر العام: أن يكون قائمًا بطاعة المنعم مطلقًا في جميع الأحوال. وأنت لو تأملت هذا وجدته موجودًا في عامة الأوصاف المحمودة والمذمومة أيضًا، فالتوبة قد يوصف الإنسان بأنه تائب توبة خاصة مقيّدة من ذنبٍ معيّن، وقد يوصف بأنه من التائبين على سبيل الإطلاق.قول سليمان صلى الله عليه وسلم: أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُعلى أي وجه نحمله؟ طالب: هو أشار إليه هذا، الظاهر أنه خاص. الشيخ: إذا قلنا: إنه على العموم معناه أننا رمينا سليمان بأنه ليس بشاكرٍ لنعمة الله في غير هذا، وإذا قلنا: إنه على الخصوص، يعني: على هذه النعمة المعيّنة، فهو أولى، ولهذا قال: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيبه ليختبرني به أأشكر الله عليه أم أكفر.فالظاهر أنها هنا على سبيل الخصوص، يعني: على هذه النعمة، أما النعمة الأخرى فنحن نؤمن بأن سليمان قد قام بشكرها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما مر علينا في قصة النملة قال مثل هذا الكلام فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ [النمل: ١٩]. طالب: نقول: هذه فعلًا قد تكون (...) في تأثيرها على ما أنزل الله به عليه من نعم أخرى..الشيخ: لا ما نقوله؛ لأن اللي نعتقد -وهو أقرب من حال سليمان- أنه قد شكر الله على النعم الأخرى.طالب: قد تكون في الزيادة؟الشيخ: لا تحاول، أبدًا، هي على هذه النعمة، أَأَشْكُرُما قال: أأتم الشكر، لو قال: أأتم الشكر. أشكر: فعل مطلق.فالحاصل أن الذي يظهر لنا أنها على هذه النعمة، هل أشكرها أم أكفرها؛ لأن كل نعمة تحتاج إلى شكر خاص، والشكر العام معروف، الإنسان يقول: أشكر الله ويؤمن بقلبه أنه شاكرٌ لله على جميع النعم، لكن عند نعمة معيّنة تحتاج هي أيضًا إلى شكرٍ خاص، فالشكر على المال ليس كالشكر على الولد. مثلًا: إنسان عنده قوة وقدرة على الرمي والجهاد، ويش شكر ها النعمة ذه، أن يستعملها في الجهاد يجاهد، عنده قدرة على بيان الحق بما أعطاه الله تعالى من العلم والفهم، شكر الله على هذه النعمة أن يبيّن هذا الأمر. فتجد أن الشكر يختلف إذا اعتبرنا أيش؟ كل نعمة بحسبها؛ لأنه يختلف، نقول: شكر هذا غير شكر هذا، لكن الشكر المطلق أن نعتقد بأن جميع الفضائل والإنعامات كلها من الله سبحانه وتعالى، هذه يشترك فيها جميع الناس.لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُإذا قال قائل: كيف يقول سليمان: أم أكفر؟ والكفر كلمة نابية تنفر منه النفس، فلماذا لم يقل: أأشكر أم لا أشكر؟ مع أن المعنى واحد لكن هذه أهون. نقول: لأجل ردع نفسه عن المخالفة وعدم الشكر، حتى يبيّن لنفسه أنه إذا لم يشكر فمعناه هو الكفر، فلكل مقام مقال. قد تخاطب إنسانًا ترى أنه لم يشكر نعمة الله عليه، فتخشى إذا قلت: أنت كافرٌ بالنعمة أن ينفر منك ويزداد نفورًا حتى من النعمة، وإذا قلت: أنت لم تشكر تمام الشكر أو حق الشكر أو ما أشبه ذلك، وجدت أنه أهون، والأساليب تؤثر.يقال: إن ملكًا من الملوك رأى رؤيا فأفزعته، فقال: عليَّ بالمعبّرين أو بالعابرين، فأحضروا له العابرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فما ترون؟ فقام كبيرهم فقال: أرى أن أهلك سيموتون. انزعج الملك فقال: أوجعوه ضربًا. فأوجعوه ضربًا، وقال: اصرفوه، ها دول ما فيهم خير.ثم دعا بمعبّرين آخرين وقال لهم: إني رأيت أن أسناني قد سقطت، فقام كبيرهم وقال: الملك أطول أهله عمرًا، هذا فرح وقال: يلا ها دول هدهدوهم، مع أن المعنى واحد؛ لأنهم لو ماتوا لصار أطولهم عمرًا.الحاصل أن التعبير له دخل في قبول الحق والنفور منه، وقد مر علينا قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال لأبيه: إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم: ٤٣] ما قال: أنت جاهل ولا تدري ولا تعرف. قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا [مريم: ٤٣] وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، بعض الناس يهبه الله سبحانه وتعالى قدرة على التعبير حتى إن العبارات تكون بيده كالعجينة، يلان له القول في كل ما يريد، فتجده يستطيع حتى لو أراد أن يخرج من لسانه كلمة لا يريدها على طول يجد بدلها، وبعض الناس ما يستطيع، فالله سبحانه وتعالى يهب فضله من يشاء.إذن: مَنْ كَفَرنقول: عبّر بهذا التعبير لأجل أن يردع نفسه عن المخالفة وعدم القيام بالشكر.(فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّعن شكره كَرِيمٌبالإفضال على من يكفرها ).يعني: من كفر فإن ربي غني عن شكره، أو غني مطلقًا، ومن جملة ما هو غني عنه شكر هذا الإنسان على نعمة الله، فإن الله تعالى ما أنعم على العباد لحاجته إلى أن يشكروه، بل لفضله عليهم وظهور آثار أوصافه. ظهور آثار صفاته العظيمة ما يكون إلا بأفعاله التي من جملتها النعم، أو النقم أيضًا ليظهر بذلك صفات الانتقام والغضب.وقوله: كَرِيمٌأي: أنه سبحانه وتعالى قد يبقي النعمة على من كفرها تكرمًا منه أحيانًا، وأحيانًا استدراجًا، والله تبارك وتعالى حكيم يهب فضله من يشاء، قد يبقي الله النعمة على الكافر بها استدراجًا؛ ولّا لا؟ لقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: ١٧٨]، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ [الأعراف: ١٨٢، ١٨٣].وقد يبقي الله تعالى النعم مع الكفر تربيةً، بحيث أن الإنسان يفتح الله عليه في التأمل فيخجل من الله عز وجل أن يكون هو يبادر الله تعالى بالمعاصي والله تبارك وتعالى يدر عليه النعم، فيرتدع.وهذا هو ظاهر قوله: كَرِيمٌ؛ لأن الكرم في مقابل الكفر ما يكون إلا حيث يكون ذلك الكرم من مصلحة من؟ الكافر بها، وإلا ما ظهر آثار الكرم بل ظهر آثار الحكمة، لو قال: حكيم صار هذا يشمل من تدرج الله به حتى أهلكه، لكن (كريم) ما يتم الكرم للكافر بالنعمة إلا حيث كان إبقاء النعمة عليه مصلحة له، لأجل أن يعود.ثم قال سليمان: نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا [النمل: ٤١] نكروه (أي: غيروه إلى حال تنكره إذا رأته). والتنكير يحصل بتغيير أدنى صفة من صفاته ولّا لا؟ أدنى صفة من صفاته يحصل بها التنكير، إذا كان مثلًا قوائمه طويلة يمكن يقصّر القوائم فيكون تنكيرًا، إذا كان لون إحدى عواضده مثلًا أحمر ممكن يخليها أخضر، يعني سواء هذا التنكير بالأجزاء أو باللون أو بالفرش بغير فُرُش، الظاهر أن هذا داخل في التنكير.نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ، نَنظُرْويش اللي جابها (...)؟طالب: قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا [النمل: ٤١] (نكروا) هذا طلب.الشيخ: (نكّروا) فعل أمر، و(ننظر) مجذوم على أنه جواب الأمر، نعم هذا صحيح.نكّروا ننظر، شوف العظمة كلمة نكّروا ولم يوجه الخطاب إلى شخص معيّن يدل على أن كل جنوده في طاعته ولَّا لا؟ لأنه لو كان يخشى أن أحدًا من الجنود يتمرد لكان يوجه الخطاب إلى شخصٍ معيّن لأجل أن يحرجه فلا يستطيع أن يقول: لا، وهكذا عظمة السلطان تكون بمثل هذا، عندما يقول السلطان مثلًا أو الأمير: قهوة يا ولد. كل الحاضرين يفزعون، قهوة قهوة وتجيه بسرعة.نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَانقول: هذه أيضًا خطاب عظمة، ولهذا قال: نَنظُرْ أَتَهْتَدِي؛ إما أنه يقصد نفسه ويكون تعظيمًا، أو مع جنوده وحاشيته ينظرون جميعًا أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ [النمل: ٤١].وهذا كله أيضًا من أساليب الاختبار الذي يختبر به سليمان هذه المرأة كما اختبرها أيضًا فيما يأتي في مسألة الصرح، وأما عن قول المؤلّف وغيره أن رجلها رجل حمار، فهذه من الإسرائيليات المكذوبة، فقدمها كقدم غيرها.طالب: خشي أن فيها برصًا فيريد أن يتزوجها.الشيخ: كل هذه ما هي صحيحة، وبيجينا إن شاء الله تعالى.الطالب: تزوجها يا شيخ؟الشيخ: على كل حال هي جديرة بأن تزوج لأنها أسلمت وكانت ذكية.طالب: ما فيه دليل على تصرف الإنسان في ملك غيره، فيتصرف بالعقل؟الشيخ: إن كان هو بالآيات السابقة نحن نقبل منك الفائدة هذه، وإن كان هو بالآيات اللاحقة درس اليوم ما نقبله.طالب: (...).الشيخ: (...).طالب: في قوله: (...). لا يدل بأن مقام النبوة أعظم كثيرًا من الملك (...) ما يقدمونه العوام (...) علم.الشيخ: لا. حتى الإنسان العادي يقول كذا؛ لأن (...) هذه، صارت هذه خاصة في مثل مقام سليمان، وليس كذلك، حتى الإنسان (...) نفسه، يقول: أنا الله ما أعطاني هذه إلا ليبلوني أأشكر أم أكفر.طالب: وأيش كفر نعمة في الواقع؟ ماهو كفر مطلق، وإنما كفر نعمة؟الشيخ: احنا قلنا قبل قليل: الشكر، والتوبة، والكفر، والإيمان كل هذه تتبعض وتكمل، مطلق شيء وشيء مطلق.طالب: لا أقصد هذه يعني..الشيخ: لا. هنا المراد به كفر النعمة.طالب: كفر نعمة واحدة، يعني ما بيحذف من واحد.الشيخ: محذوفين لكن ما يناسب..على أن كرم كل شيء بحسبه، فالكرم بالمال معناه: بذله بسخاء، والكرم أيضًا بالمال
يطلق على الجيد منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أو «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» ،
وكذلك أيضًا يُوصَف ما يتضمن الشيء المهم؛ يوصف بالكرم لما في هذا الوصف في كتاب
سليمان عليه الصلاة والسلام.
وفيه دليل على أن
الأولى أن يبدأ الكاتب باسمه فيقول: من فلان، قبل أن يبدأ باسم المرسَل إليه أو
المكتوب إليه. وهل هذا من باب التعبد أو من باب العادة؟
طالب: من باب العادة.
الشيخ: الظاهر
أنه من باب العادة، ولكن مع ذلك العادة التي كان عليها السلف أولى من العادة التي
اعتادها الناس اليوم، اعتاد الناس اليوم أنهم يبدءون بالمكتوب إليه: إلى فلان بن
فلان، ولكن العادة الأُولى أَولى؛ لأن الإنسان إذا قرأ كتابًا يقرؤه من أوله، فإذا
قرأ: من فلان، عرف الآن ما هذا وما قيمة الكتاب، قبل أن يقرأه كله.
ثم إن
الترتيب الطبيعي يقتضي هذا؛ لأن الكتاب واردٌ من إلى، ولّا لا؟ فيقتضي أن يبدأ
بالوارد منه قبل الوارد إليه.
فإذن نقول: الأولى أن يبدأ الإنسان باسمه إذا أرسل
كتابًا إلى أحد؛ لأن هذه السنة المتّبَعة.
هل يؤخذ من هذا الكتاب أنه لا يحتاج
إلى ذكر المكتوب إليه؛ لأنه قال: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ [النمل: ٣٠]، ولا قال: إلى ملكة سبأ؟
طالب: قد يكون ذكر.
الشيخ: لكن اللي
أمامنا الآن.
طالب: (...).
الشيخ: يحتمل هذا، أو نقول: إنه إذا دل الدليل على المكتوب إليه
فلا حاجة إلى ذكره، مثلًا إذا أرسلت هذا الكتاب إلى شخص، ولا سيما في مثل قصة
سليمان، أنه جاء به هذا الطائر إلى صاحبه، فهنا احتمال أن يصل الكتاب إلى غير
المكتوب إليه ضعيف.
والمقصود ببيان المكتوب إليه المقصود به؟ أن يتعين ويصل
إليه، وهنا إذا جاء الكتاب على هذا الوجه، فإنه يحصل به أكبر تعيين، فنقول: إنه لا
حاجة إلى ذكره إذا كان الأمر يحصل بدونه، ولكن مع هذا ذكره أولى، لا سيما إذا كان
يترتب عليه شيءٌ في المستقبل، فإنه إذا فرضنا أن صاحبه الذي أُرسل إليه عُلم وأخذه،
لكن في المستقبل ما ندري لمن وجّه له هذا الخطاب، فذكره بلا شك أولى.
وفي هذا دليل على استحباب البداءة ببسم الله الرحمن الرحيم
في أول الرسائل؛ لقوله: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وفيه دليلٌ على استعمال
الإيجاز إذا لم يكن فيه تقصير؛ لأن هذا الكتاب الذي كتبه سليمان في غاية ما يكون من
الإيجاز؛ جملتان فقط أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل: ٣١] ولكن بشرط ألا يكون الإيجاز مخلًّا بالمقصود، فإن
كان مخلًّا بالمقصود صار تقصيرًا.
وفيه دليلٌ على
أن سليمان عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يريد التملك
والسيطرة، وإنما يريد بذلك الدخول في الإسلام؛ لأن الهدهد لما أخبره أنها وقومها
يسجدون للشمس من دون الله، فهذا كفر، فلا بد أن يخرجوا منه إلى الإسلام؛ لقوله:
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.
وفيه
أيضًا دليل على قوة سليمان عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يقل: وأسلموا، بل
قال: ائتوني مسلمين. فطلب منهم أن يأتوا إليه وهم على إسلام.
وهل المراد أن
يأتوا جميعًا؟ لا، المراد أعيانهم وأشرافهم؛ لأن الأعيان والأشراف يقومون مقام
العامة.
وفيه دليلٌ على استحباب المشاورة في
الأمور العامة؛ لقولها: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي [النمل: ٣٢]، فهي مع أنها ملكة ولها تمام السلطة، مع ذلك لم تستغن
عن المشاورة قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي.
وفيه دليل على حزم هذه المرأة،
وأنها تريد أن تكون سياستها مبنية على المسؤولية على الجميع؛ لقولها: مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ، وحينئذ لو
حصل خلاف المقصود لم يكن عليها لوم، ما دامت تُشهد هؤلاء وتبين لهم.
وفيه أيضًا دليل على أنه يجوز للمستشير أن يخالف المستشار
إذا لم يرَ أنه مصيب في مشورته؛ لأنهم لما ذكروا ما يدل على أنهم يريدون قتاله وهي
لا تراه خالفته، ولّا لا؟ فإنها قالت: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا [النمل: ٣٤] إلى آخره.
وفيه دليل على مكانة هذه المرأة من قومها؛ لأنها بعد أن
استشارتهم وأبدوا رأيهم تأدبوا معها وقالوا: الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل: ٣٣]، فهل يؤخذ من ذلك أيضًا أنه إذا
قدّم المستشار مشورته لإنسان كبير أكبر منه قدرًا، أو فهمًا، أو علمًا، أن له أن
يقول مثل هذا؟ نعم. يقول مثل هذا تأدبًا، وصاحبه بالخيار؛ إن شاء أخذ بمشورته، وإن
شاء لم يأخذ.
وفيه دليل على حزم هذه المرأة أيضًا
من جهة أنها نظرت في العواقب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا. وهكذا ينبغي للعاقل ألا يحكم على الأمور ببوادرها
وظواهرها، وإنما يحكم على الأمور بعواقبها؛ فإن الشيء قد تكون بوادره وظواهره مفيدة
في نظر الإنسان، ولكنه عند التأمل يكون الأمر بالعكس، لكن هل الأولى المبادرة أو
التأني؟
في الأصل التأني أولى؛ لأن الإنسان إذا تأنى ما يندم ما فعل شيئًا، لكن
إذا تسرّع فهو الذي يكون عرضة للندم، وكم من كلمة قال الإنسان: ليتني لم أقلها، وكم
من فعل قال: ليتني لم أفعله.
ولكن مع هذا ينبغي استعمال الحزم في الأمور، لا
يتأنى تأنيًا يطيل المقصود، ولا يتسرع تسرعًا يحصل به الندم، وأظن أني أنشدتكم
بيتين في هذا المعنى، تحفظونهما؟
طالب: في
الحزم؟
الشيخ: لا، في أنه قد يكون التسرع أولى وقد يكون
التأني أولى.
طالب: (...)
الشيخ:
| قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ | وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ |
| وَرُبَّمَا فَـــاتَ قَوْمًا جُــلُّ أَمْرِهِـــــــــــمُ | مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيَ لَوْ عَجِلُـوا |
| قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ | وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ |
***
| وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أَوْ بِحَرف جَرْ | نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرْ |
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) [النمل: ٤٣، ٤٤].